الخطيب الشربيني

434

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وجهيه يضيء لأهل الأرض ؛ والثاني لأهل السماوات . قال الحسن : يعني في السماء الدنيا ، كما تقول : أتيت بني فلان ، وإنما أتيت بعضهم وفلان متوار في دور بني فلان ، وهو في دار واحدة ، وبدأ به لقربه وسرعة حركته وقطعه جميع البروج في كل شهر وغيبوبته في بعض الليالي ، ثم ظهوره وذلك أعجب في القدرة . ولما كان نوره مستفادا من نور الشمس قال تعالى : وَجَعَلَ أي : فيها الشَّمْسَ أي : في السماء الرابعة سِراجاً أي : نورا عظيما كاشفا لظلمة الليل عن وجه الأرض وهي في السماء الرابعة كما مرّ . وقيل : في الخامسة ، وقيل : في الشتاء في الرابعة وفي الصيف في السابعة . روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن عمر : أنّ الشمس والقمر وجوههما مما يلي السماء وأقفيتهما إلى الأرض ، وجعلهما سبحانه آية على رؤية عباده المؤمنين له في الجنة . وَاللَّهُ أي : الملك الأعظم الذي له الأمر كله أَنْبَتَكُمْ أي : بخلق أبيكم آدم عليه السلام مِنَ الْأَرْضِ أي : كما ينبت ، وعبر بذلك تذكيرا لنا بما كان من خلق أبينا آدم عليه السلام لأنه أدل على الحدوث والتكون من الأرض نَباتاً أي : أنشأكم منها إنشاء ، فاستعير الإنبات له لأنه أدل على الحدوث والتكوّن ، وأصله أنبتكم فنبتم نباتا فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية . ثُمَّ يُعِيدُكُمْ على التدريج فِيها أي : الأرض بالموت والإقبار وإن طالت الآجال وَيُخْرِجُكُمْ أي : منها بالإعادة ، وأكد بالمصدر الجاري على الفعل إشارة إلى شدّة العناية به وتحتم وقوعه لإنكارهم له فقال تعالى : إِخْراجاً أي : غريبا ليس هو كما تعلمون بل تكونون به في غاية ما يكون من الحياة الباقية تلابس أرواحكم بها أجسامكم ملابسة لا انفكاك بعدها لا حكما عن الآخر . وَاللَّهُ أي : المستجمع لجميع الجلال والإكرام جَعَلَ لَكُمُ أي : نعمة عليكم اهتماما بأمركم الْأَرْضَ بِساطاً أي : سهل عليكم التصرّف فيها والتقلب عليها سهولة التصرّف في البساط . ثم علل ذلك بقوله تعالى : لِتَسْلُكُوا أي : متخذين مِنْها أي : الأرض مجددين ذلك سُبُلًا أي : طرقا واضحة مسلوكة بكثرة فِجاجاً أي : ذوات اتساع لتتوصلوا إلى البلاد الشاسعة برا وبحرا ، فيعم الانتفاع بجميع البقاع فالذي قدر على إحداثكم وأقدركم على التصرّف في أصلكم مع ضعفكم قادر على إخراجكم من أجداثكم التي لم تزل طوع أمره ومحل عظمته وقهره . ولما أكثروا مع نوح عليه السلام الجدال ونسبوه إلى الضلال وقابلوه بأشنع الأقوال والأفعال . [ سورة نوح ( 71 ) : الآيات 21 إلى 28 ] قالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مالُهُ وَوَلَدُهُ إِلاَّ خَساراً ( 21 ) وَمَكَرُوا مَكْراً كُبَّاراً ( 22 ) وَقالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُواعاً وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً ( 23 ) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ ضَلالاً ( 24 ) مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً ( 25 ) وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً ( 26 ) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فاجِراً كَفَّاراً ( 27 ) رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلاَّ تَباراً ( 28 )